يومان من المبارزة والمشاحنة الاستعراضية في البرلمان اللبناني. سوق عكاظ من الردح المكرّر أمام كاميرات التلفزيونات وميكروفونات المراسلين. استحضر النواب قدراتهم الخطابية وملفاتهم المصفرّة ولغتهم ذاتها بمفرداتها وثيماتها. جلسات البرلمان فرصة مثالية لا تفوت للصامتين دهراً لإظهار مواهبهم ومناقبيتهم والتزامهم بوعودهم الانتخابية التي لم يُنفذ منها شيء تقريباً.يعتقد هؤلاء أنهم يمسكون فعلاً بتلابيب السياسة وأن قرار البلد في أيديهم؛ ببدلاتهم الأنيقة يطلّون واحداً بعد الآخر على منبر المؤسسة المفترض أنها ممثلة للشعب، يتبارون في استعراض معاناة الشعب والمطالبة بحقوقه، تعلو أصواتهم ويتشاحنون، ويشتم بعضهم البعض الآخر -ويحسب لهم أنهم لم يتعاركوا بالأيدي- لكنهم يتبادلون الأحاديث في الكواليس، وقد يضحكون معاً على الشعب المسكين الذي انتخبهم.إدارة برييدير رئيس البرلمان نبيه بري الجلسة من منصته المرتفعة، ويتسلى بمراقبة مجموعة من صبيان السياسة، فينهرهم عندما يتجاوزون الحدّ، ويوزّع عليهم الدور في الكلام محدداً الوقت لكلّ منهم بعناية. الأستاذ لا يمزح في النظام الداخلي للصف، لكنه يعرف كيف يستوعب المشاغبين ومتى يوقف الانزلاقات. لا يقمع بشدّة، ولا يرخي الحبل، فكلهم أولاد، وهو يعرف كيف يمون عليهم أو يسكتهم. لكن الامور لا تسير دائماً على هذا المنوال، فالررؤوس الحامية لا تلتزم دائماً بالنظام وانتظار الدور.عنوان كب