محمد سعيد حميد – اليمنالساعة الثالثة فجراً، أمسك يوسف حقيبته البلاستيكية ومشى نحو الميناء. الفجر لا يزال يفاوض البحرَ على لون السماء.لم يوقظ أمه التي ودعها قبل ثلاث ساعات، حتى لا ينهار ويتردد عن قراره.قالت: لا ترجع.لأن الرجوع إلى هذا الوطن موت.ناولته ظرفاً فيه ما يسد رمق رحلته، جمعته من إبرة الخياطة، وثمن خاتم زواجها.قبل شهر ذهب يوسف إلى المدرسة ليسحب ابنه.قال: أنا سأحميك من هذا المعلم.قال الابن: أبي، أنا أحبّ المدرسة. فقط لا تعلمهم أنّك أبي.سأل: من علَّمك هذا؟صمت الابن.قبل سنة باع يوسف آخر قطعة أرض تركها له أبوه. جاءه رجل ببدلةٍ ضيّقة، وكرش منتفخ، وعرض ثمناً لا يليق بحجم الجوع. لم يكن ثمناً لقطعة أرض؛ كان ثمناً لخنوع قطعة من إنسان.سأل يوسف نفسه: إذا كانت الأرض أغلى من الولد والأهل - كما يقول أبوه من قبره - فلماذا يبيعها؟اتّصل به ابن عمه من وراء البحار:وصلت يا يوسف! إبعث لي أُختك، عندي شقّة، وإقامة، والحمد لله العمل كثير.سمع يوسف صوتاً آخر إلى جوار صوت ابن عمِّه: بتعرف تنضّف؟فهم يوسف أنّ ابن عمه وصل، وأنّه في الطريق تحوّل من إنسانٍ إلى يدٍ عاملة تسأل: بتعرف تنضّف؟وفي الساعة نفسها، في مكانٍ بعيد عن البحر، جلس مسؤول كبير أمام تقرير: ارتفاع ملحوظٌ في طلبات الهجرة، وطوفان من الهجرة غير الشرعية...قلب الصفحة. لم يقرأ الباقي.قال لكاتم سرّه: أطلب من التلفزيون أغنيةً وطنيةً الليلة، شيئاً عن