الدكتور عبّاس حيدريُقال: الحرّ يدافع عن الفكرة مهما كان قائلها، والعبد يدافع عن الشخص مهما كانت فكرته.ليست هذه المقولة مجرّد حكمة فلسفية، بل هي امتحان حقيقي للوعيّ السياسي، خصوصاً في لبنان، حيث اعتدنا أن نرى السياسة من خلال الأشخاص قبل الأفكار، وأن نقيس صحّة الموقف بهوية قائله، لا بمضمونه ونتائجه.في لبنان، قد يقول خصمك كلاماً صحيحاً، فتبحث عن ألف سبب لرفضه، فقط لأنّه خصمك. وقد يقول حليفك كلاماً خاطئاً، فتبحث عن ألف مبرّر للدّفاع عنه، فقط لأنّه حليفك.وهنا تبدأ المشكلة، حين يصبح الانتماء أقوى من العقل. ليس العيب في أن تنتمي إلى حزب أو حركة أو تيار أو طائفة أو مشروع سياسي. الانتماء حاجة إنسانية وسياسية، وقد يكون عنصر قوّة حين يكون واعياً ونقدياً.لكن الخطر يبدأ عندما يتحوّل الانتماء إلى إلغاء للعقل، عندما يصبح نقد الزّعيم خيانة، ومراجعة الحزب مؤامرة، والاعتراف بخطأ الحليف ضعفاً، بينما يصبح كلّ ما يصدر عن الخصم خطأً حتى لو كان صواباً. هنا لا يعود المواطن مواطناً حراً، بل يتحوّل إلى مدافع عن الأشخاص ولو على حساب الأفكار.كم من فرصة ضاعت لأنّنا رفضناها، ولأنّ صاحبها ينتمي إلى الفريق الآخر فقط؟ وكم من خطأ مرّ بلا محاسبة لأنّ مرتكبه ينتمي إلى جماعتنا؟ وكم من أزمة تحوّلت إلى انقسام طائفي وسياسي لأنّنا ناقشنا من قال بدل أن نناقش ماذا قال؟ لقد أصبحنا، في كثير من الأحيان، أسرى ثنائية قاتلة: إن ق